فخر الدين الرازي

175

تفسير الرازي

والقدر فلا يعادي أحداً ، ولهذا قيل : إن العارف إذا أمر أمر برفق ويكون ناصحاً لا يعنف ويعير فهو مستبصر بسر الله في القدر . المسألة الثانية : قال الزجاج : أصل الأخ في اللغة من التوخي وهو الطلب فالأخ مقصده مقصد أخيه ، والصديق مأخوذ من أن يصدق كل واحد من الصديقين صاحبه ما في قلبه ، ولا يخفي عنه شيئاً وقال أبو حاتم قال أهل البصرة : الاخوة في النسب والإخوان في الصداقة ، قال وهذا غلط ، قال الله تعالى : * ( إنما المؤمنون إخوة ) * ( الحجرات : 10 ) ولم يعن النسب ، وقال : * ( أو بيوت إخوانكم ) * ( النور : 61 ) وهذا في النسب . المسألة الثالثة : قوله * ( فأصبحتم بنعمته إخواناً ) * يدل على أن المعاملات الحسنة الجارية بينهم بعد الإسلام إنما حصلت من الله ، لأنه تعالى خلق تلك الداعية في قلوبهم وكانت تلك الداعية نعمة من الله مستلزمة لحصول الفعل ، وذلك يبطل قول المعتزلة في خلق الأفعال ، قال الكعبي : إن ذلك بالهداية والبيان والتحذير والمعرفة والألطاف . قلنا : كل هذا كان حاصلاً في زمان حصول المحاربات والمقاتلات ، فاختصاص أحد الزمانين بحصول الألفة والمحبة لا بد أن يكون لأمر زائد على ما ذكرتم . ثم قال تعالى : * ( وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ) * . واعلم أنه تعالى لما شرح النعمة الدنيوية ذكر بعدها النعمة الأخروية ، وهي ما ذكره في آخر هذه الآية ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : المعنى أنكم كنتم مشرفين بكفركم على جهنم ، لأن جهنم مشبهة بالحفرة التي فيها النار فجعل استحقاقهم للنار بكفرهم كالإشراف منهم على النار ، والمصير منهم إلى حفرتها ، فبيّن تعالى أنه أنقذهم من هذه الحفرة ، وقد قربوا من الوقوع فيها . قالت المعتزلة : ومعنى ذلك أنه تعالى لطف بهم بالرسول عليه السلام وسائر ألطافه حتى آمنوا قال أصحابنا : جميع الألطاف مشترك فيه بين المؤمن والكافر ، فلو كان فاعل الإيمان وموجده هو العبد لكان العبد هو الذي أنقذ نفسه من النار ، والله تعالى حكم بأنه هو الذي أنقذهم من النار ، فدل هذا على أن خالق أفعال العباد هو الله سبحانه وتعالى . المسألة الثانية : شفا الشيء حرفه مقصور ، مثل شفا البئر والجمع الإشفاء ، ومنه يقال : أشفى على الشيء إذا أشرف عليه كأنه بلغ شفاه ، أي حده وحرفه وقوله * ( فأنقذكم منها ) * قال الأزهري : يقال نقذته وأنقذته واستنقذته ، أي خلصته ونجيته . وفي قوله * ( فأنقذكم منها ) * سؤال وهو : أنه تعالى إنما ينقذهم من الموضع الذي كانوا فيه وهم